تُعدّ اللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل هي بنية اجتماعية تعكس وتُعيد إنتاج العلاقات القائمة بين الجنسين. وفي سياق الخطاب القانوني الدولي، تكتسب الصياغة اللغوية أهمية بالغة؛ فالنصوص القانونية التي تُؤسّس لحقوق الإنسان وتحدّد التزامات الدول، قد تبدو على الورق محايدةً وشاملة، إلا أنها في جوهرها تحمل انحيازات جندرية خفية تُهمّش المرأة وتُقلّص من حضورها.
يتناول هذا المقال آليات إحياد المرأة في الخطاب القانوني الدولي، مستكشفاً كيف تُستخدم اللغة لإخفاء التمييز بدلاً من إزالته.
تتجلّى إشكالية اللغويات الجندرية في الخطاب الرسمي عبر عدة مستويات لغوية متداخلة، وتبرز بشكل خاص في النصوص الدولية التأسيسية.
أولاً: الذكر اللغوي كأصل والأنثى كملحق
في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)، كانت المسودة الأولى للمادة 1 تبدأ بعبارة «All men are born free…» (يولد جميع الرجال أحراراً)، ولم يُستبدل «الرجال» بـ «البشر» أو «الناس» إلا بعد جهد دبلوماسي نسائي مضنٍ بقيادة هانزا ميهتا من الهند ومينيرفا بيرناردينو من جمهورية الدومينيكان.
غير أن النص النهائي احتفظ بعبارة «brotherhood» (روح الإخاء) التي تُضفي بعداً ذكورياً رمزياً حتى في الترجمة العربية.
كما نجد في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966) أن المادة 3 تنص على: «The equal right of men and women to the enjoyment of all civil and political rights»، حيث يأتي الرجال أولاً لغوياً وترتيبياً. ويُكرّس العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ذات الترتيب في مادته 3: «مساواة الذكور والإناث في حق التمتع بجميع الحقوق».
ثانياً: الضمائر الذكورية المُعمّمة
يُعتبر النص الإنجليزي للإعلان العالمي نموذجاً صارخاً على هذا النوع من الإحياد. فالمادة 8 تتحدث عن «الحقوق الأساسية الممنوحة له (granted him)»، والمادة 10 عن «حقوقه والتزاماته (his rights and obligations)»، والمادة 11 عن «حقه في ضمانات الدفاع (he has had all the guarantees necessary for his defence)». هذه الضمائر الذكورية، وإن قيل إنها تُستخدم بمعنى عام، إلا أنها لغوياً ونفسياً تُرسّخ صورة ذهنية للفاعل القانوني باعتباره رجلاً، وتُبقي المرأة خارج دائرة التخيّل القانوني.
ثالثاً: الترتيب اللغوي والتسلسل الهرمي
يظهر الترتيب الذكوري بوضوح في النصوص التي تُقرّب بين «الرجل والمرأة» دون عكس الترتيب.
ففي الإعلان العالمي، المادة 16 تنص: «للرجل والمرأة متى بلغا سن الزواج حق التزوج…».
وفي العهد الدولي المدني والسياسي، المادة 23: «The right of men and women of marriageable age to marry…». هذا الترتيب ليس اعتباطاً؛ فالسرد اللغوي يُكرّس الأولوية الرمزية للذكر، ويُصوّر الأنثى تابعةً أو لاحقةً.
رابعاً: المصطلحات العامة المُغيّبة للتجربة الجندرية
تعتمد الصياغات القانونية على مصطلحات مجردة كـ «الأسرة» أو «الأفراد» أو «المواطنون» دون تسمية التجارب الجندرية الملموسة. فالمادة 23 من العهد المدني والسياسي تتحدث عن «الأسرة» بوصفها «الوحدة الطبيعية الأساسية للمجتمع»، لكنها لا تُسمّي الأدوار غير المتساوية التي تلعبها النساء داخلها في كثير من السياقات. وعندما تُستخدم عبارات مثل «الجميع» أو «كل شخص» في المادة 2 من الإعلان العالمي، فإنها تُخفي العوائق الهيكلية التي تواجه النساء—كالعنف القائم على النوع الاجتماعي أو الأعباء الإنجابية غير المُعترف بها—ما يجعل القانون ينطبق نظرياً على الجميع، لكنه عملياً يُفيد الفئة التي صُمّم لها أصلاً.
دور ونظرة المنظمات الدولية لحقوق المرأة
تنظر المنظمات الدولية لحقوق المرأة، وفي مقدمتها لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز ضد المرأة (CEDAW)، والمنظمة الدولية للدفاع عن حقوق المرأة (IOWRD)، إلى المذكر الشامل باعتباره “تمييزاً هيكلياً ممنهجاً” يرسخ الرجل كمعيار قياسي للإنسانية والمرأة كاستثناء [CEDAW-1979]. وترفض المنظمات فكرة الحياد اللغوي المزعوم، وتعمل على معالجته عبر:
١_ تفكيك التفسيرات الأبوية:
التنبيه بأن القوانين “العمياء جندرياً” تفتح الباب لتفسيرات قضائية ضيقة تُسقط حقوق النساء.
٢_ المحاسبة التشريعية:
إلزام الدول بمراجعة ترسانتها القانونية وتعديل المصطلحات الرسمية لتصبح “شاملة جندرياً” (Gender-Inclusive).
٣_ مكافحة المقاومة الثقافية:
تدريب المشرّعين في البرلمانات لإثبات أن إدخال التأنيث (مثل: المواطنون والمواطنات) يحمي الحقوق ويمنع الثغرات.
الخاتمة
إن إحياد المرأة في الخطاب القانوني الدولي ليس مجرد قصور لغوي، بل هو انعكاس لبنية سلطوية تستعين باللغة لتُبقي النظام الاجتماعي القائم. لذا، لا يكفي تعديل قانون هنا أو إضافة فقرة هناك؛ بل يتطلب الأمر إعادة النظر الجذرية في البنية اللغوية للنصوص القانونية، عبر اعتماد صياغات شاملة حقاً، واستخدام لغة تُدرك التنوع الجندري، وتُسمّي الأشياء بأسمائها بدلاً من إخفائها وراء قشرة الحياد الزائف. فالعدالة القانونية تبدأ من عدالة اللغة، واللغة العادلة هي التي تُرى فيها المرأة وتُسمّى وتُعترف بها فاعلاً لا تابعاً.
المصادر الموثوقة والمراجع الدولية:
▪️الوثيقة التاريخية الكبرى: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. (1948). Universal Declaration of Human Rights. مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان.
▪️المرجع التاريخي والتحليلي: Glendon, M. A. (2001). A world made new: Eleanor Roosevelt and the Universal Declaration of Human Rights. Random House.
▪️العهد القانوني المدني: العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. (1966). International Covenant on Civil and Political Rights. مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان.
▪️الدراسة الجندرية المتخصصة: Skaar, E. (n.d.). The Universal Declaration of Human Rights: A gender perspective. مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (OHCHR)


